الخطيب الشربيني
460
تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )
الثاني : قول ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان قيام الليل فريضة على النبيّ صلى اللّه عليه وسلم والأنبياء قبله . والثالث : قول عائشة وابن عباس رضي الله عنهم أيضا أنه كان فرضا عليه وعلى أمته لما روى مسلم أنّ هشام بن عامر قال لعائشة رضي الله عنها : أنبئيني عن قيام رسول الله صلى اللّه عليه وسلم فقالت : « ألست تقرأ يا أيها المزمل ، فقلت : بلى . فقالت : فإنّ الله عز وجل افترض قيام الليل في أوّل هذه السورة ، فقام نبيّ الله صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه حولا وأمسك الله عز وجل خاتمتها اثني عشر شهرا في السماء حتى أنزل الله عز وجلّ في آخر هذه السورة التخفيف ، فصار قيام الليل تطوّعا بعد فريضة » « 1 » وقيل : عسر عليهم تمييز القدر الواجب ، فقاموا الليل كله ، وشق عليهم فنسخ بقوله تعالى آخرها : فَاقْرَؤُا ما تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ وكان بين الوجوب ونسخه سنة ، وقيل : نسخ التقدير بمكة وبقي التهجد حتى نسخ بالمدينة . وروى وكيع ويعلى عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : لما نزلت يا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ كانوا يقومون نحوا من قيامهم في شهر رمضان حتى نزل آخرها وكان بين نزول أوّلها وآخرها نحوا من سنة . وقال سعيد بن جبير رضي الله عنه : مكث النبيّ صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه عشر سنين يقومون الليل ، فنزلت بعد عشر سنين إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ أَنَّكَ تَقُومُ أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ [ المزمل : 20 ] فخفف الله تعالى عنهم . وقيل : كان قيام الليل واجبا ثم نسخ بالصلوات الخمس . والصحيح أنه صلى اللّه عليه وسلم بعث يوم الاثنين في رمضان وهو ابن أربعين سنة ، وقيل : ثلاث وأربعين وآمنت به خديجة رضي الله عنها ثم بعدها قيل : عليّ رضي الله عنه وهو ابن تسع سنين ، وقيل : ابن عشر . وقيل : أبو بكر ، وقيل : زيد بن حارثة ، ثم أمر بتبليغ قومه بعد ثلاث من مبعثه ، فأوّل ما فرض عليه صلى اللّه عليه وسلم بعد الإنذار والدعاء إلى التوحيد من قيام الليل ما ذكر في أوّل السورة ، ثم نسخ بما في آخرها ثم نسخ بإيجاب الصلوات الخمس ليلة الإسراء إلى بيت المقدس بمكة بعد النبوة بعشر سنين وثلاثة أشهر ليلة سبع وعشرين من رجب ، هذا ما ذكره النووي في روضته . وقال في فتاويه : بعد النبوة بخمس أو ست وجعل الليلة من ربيع الأول وخالفهما في شرح مسلم وجزم بأنها من ربيع الآخر وقلد فيها القاضي عياضا ، والذي عليه الأكثر ما في الروضة واستمرّ يصلي إلى بيت المقدس مدّة إقامته بمكة وبعد الهجرة ستة عشر شهرا أو سبعة عشر ، ثم أمر باستقبال الكعبة ، ثم فرض الصوم بعد الهجرة بسنتين تقريبا وفرضت الزكاة بعد الصوم ، وقيل : قبله ، وفي السنة الثانية قيل : في نصف شعبان . وقيل : في رجب حوّلت القبلة ، وفيها فرضت صدقة الفطر ، وفيها ابتدأ صلى اللّه عليه وسلم صلاة عيد الفطر ثم عيد الأضحى ، ثم فرض الحج سنة ست وقيل : سنة خمس ولم يحج صلى اللّه عليه وسلم بعد الهجرة إلا حجة الوداع ، واعتمر أربعا وتوفيّ صلى اللّه عليه وسلم يوم الاثنين لاثنتي عشرة خلت من شهر ربيع الأوّل سنة إحدى عشرة من الهجرة . فائدة : الأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم معصومون قبل النبوة من الكفر وفي المعاصي خلاف وبعدها من الكبائر وكذا من الصغائر ولو سهوا عند المحققين . وقوله تعالى نِصْفَهُ بدل من قليلا وقلته بالنظر إلى الكل أَوِ انْقُصْ مِنْهُ أي : من النصف قَلِيلًا أي : الثلث أَوْ زِدْ عَلَيْهِ أي : على النصف إلى الثلثين ، وأو للتخيير فكان صلى اللّه عليه وسلم مخيرا بين
--> ( 1 ) أخرجه مسلم في قيام الليل حديث 746 .